محمد بن جرير الطبري

600

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

تقول : نسيا : نسي ذكرى ، ومنسيا ، تقول : نسي اثرى ، فلا يرى لي اثر ولا عين « فَناداها » ، جبرئيل : « مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا » ، والسرى هو النهر « وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ » ، وكان جذعا منها مقطوعا فهزته ، فإذا هو نخله ، واجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخلة رطبا جنيا ، فقال لها : كلى واشربى وقرى عينا ، « فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » ، فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسى ، فقيل لها : لا تزيدى على هذا ، فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل ان مريم قد ولدت ، فاقبلوا يشتدون ، فدعوها « فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا » - يقول عظيما - « يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا » ، فما بالك أنت يا أخت هارون ! وكانت من بنى هارون أخي موسى ، وهو كما تقول : يا أخا بنى فلان ، انما تعنى قرابته فقالت لهم ما امرها الله ، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام ، أشارت اليه - إلى عيسى - فغضبوا وقالوا : لسخريتها بنا حين تأمرنا ان نكلم هذا الصبى أشد علينا من زناها ! « قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » فتكلم عيسى فقال : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ » فقالت بنو إسرائيل : ما أحبلها أحد غير زكرياء ، هو كان يدخل إليها ، فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صوره راع ، فقال : يا زكرياء ، قد أدركوك ، فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها ، فدعا الله فانفتحت له الشجرة ، فدخل فيها وبقي من ردائه هدب ، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان ، فقالوا : يا راعى ، هل رايت رجلا من هاهنا قال : نعم سحر هذه الشجرة ،